
كتب تيسير مشارقة :الغلادستونية هي حقيبة الحقائب، كونها تمتلك حواف حديدية وهي في الغالب حقيبة سفر، وإذا ما ضاعت، فإن جنى العمل والعمر في الترحال يرحل ويذهب بعيداً. الكاتب سليم بركات في رواية له تحدث عن ريش يتجوّل في قاع حقيبة ..وهذه هي قصة الرواية التي تحمل اسم (الريش). أما تلك الحقيبة التي تركها المسافر دون أن يلوي على رصيف محطة القطار فهي تساوي الحقيبة المسروقة من رف كابينة القطار حيث أغمض عينيه الناقد السينمائي محمد رضا. مأساة الحقائب المتروكة والمهجورة تكاد تكون حكاية كل الحكايات.
قصة (الحقيبة) لمحمد رضا توثـّق عملياً لأوجاع الحقائب ذات الأقفال التي تنخلع وترميها الأيدي إلى الحاويات دون وجل. فهموم الحقائب المفقودة أو المتروكة عادية لطرف ومذهلة للبعض الآخر. والأمر يذكّرنا بفيلم (لا أذكر الآن اسمه أو بطله الرئيس)الذي يقوم فيه البطل، وهو كاتب بترك حقيبته إلى جانب سور في باريس ويأخذ منها فقط صورة ابنه الميت. ذلك الكاتب كان يتجول حول العالم ليعد كرّاساً حول السفر وشؤونه. فكانت النتيجة وإثر مرض ألم به في باريس (مشكلة في ظهرة ـ ديسك) أن يترك حقيبته ويطلع للناس بحكمة تقول: لا تحمل في السفر شيئاً تخشى فقدانه.
نصح الكاتب(في ذلك الفيلم) المشاهدين أن لا يحملوا معهم أثناء السفر أشياء ثمينة أو مهمة لهم أو عزيزة عليهم، وأن يحملوا أشياء خفيفة وملابس قليلة. وعلى ما أذكر ان البطل تردد في ترك كتاب له في الحقيبة ، ولكنه جازف وترك الحقيبة على سور في وسط المدينة وأخذ صورة ابنه وابتعد.
الكاتب والناقد محمد رضا في طريقه لحضور مهرجان سينمائي في لايبزغ يفقد حقيبته أثناء غفوة في القطار.. ويحزن من أجل الحقييبة المسكينة ، بينما لو كان مثل بطل الفيلم المجهول لتخلّى عن الحقيبة دون قلق.. وسار في طريقه غير مكترث لمحتوياتها.
بالمناسبة ، زوجتي وزّعت ألبومات الصور العائليةعلى كل حقائب السفر، بأن وضعت في كل حقيبة[ عددها 12 حقيبة] ألبوم واحداً، وذلك عندما غادرت فلسطين إلى الأردن العام 2005 ، وشاء القدر أن لا تضيع ولا حقيبة من تلك الحقائب. بأعجوبة تم إخراج ذاكرة العائلة البصرية (الصور).. تلك الذاكرة التي تشكّلت وتكوّنت في فلسطين.
أما أنا، فطوال مرحلة الشتات السياسي (1980-1995) فقد كنت أبحث عن حقيبة قوية ومتينة ألملم فيها أشيائي. ولمّا كنت أعرف أن لا أشياء ثمينة لي تذكر، فقد تخليت عن فكرة الحقيبة الغلادستونية القوية .. وصرت أجمع أفكاري في دفاتر خاصة وكأن أفكاري هي أشيائي. وفي دفاتري تلك صرت ألملم أفكاري وأجمع ما يهمني من مقولات وأفكار وأحلام وتصوّرات للمستقبل. وصارت تلك الدفاتر حقائب متينة فيها قصصي الملغوزة ويومياتي أو مذكراتي التي لا يجمعها جامع.
مواد ميثاق لوجون في السيرة الذاتية لا تنطبق على ما كتب في تلك الدفاتر (الحقائب) السميكة والنحيفة. فهي فتات يوميات أو مذكرات أو سيرة ذاتية عاجلة أو مواربة، وربما غير ناضجة.
وأذكر أيضاً أنني لمّا عدت من غربتي الطويلة إلى بيت أهلي .بدأت بجمع الكراكيب القديمة وأدوات الزراعة في الحاكورة والأشياء الخربة، ووضعها في مخزن أسفل البناية التي تقطن فيها أسرتي الممتدة. ولأن مداخيل والدي ووالدتي قليلة ، فقد تذمرا من فكرة المخزن(الذاكرة القديمة)، وبدأوا بمساعدة أخوتي ببعثرة ما جمعت من أطراف البيت وإعادته أينما كان، وكيفما اتفق.. وقاموا بعد ذلك بعملية تأجير للمخزن لعائلة غريبة جاءت إلى المكان. حينئذ اقتنعت بأن المسنين أو كبار العمر حين يطمئنون إلى غدهم يصبح اهتمامهم بأشيائهم القديمة ضعيف.. ويهتمون فقط بما يأكلون ويلبسون، وملابسهم في الغالب قليلة ومعتمة.
الحقيبة أو الذاكرة أو المخزن أو دفتر اليوميات ذو الحواف القوية أشياء تربك المرتحلين دوماً. ولكن الراحلون فرادى وإن حدّثوا حقائبهم كثيراً بسبب مرافقتها لهم في أسفارهم ،لن تكلّمهم حقائبهم قطعياً، فالحقائب بكل أسف لا تنطق بأي كلمة ولا تحدثهم ولا تشاركهم الكلام. تماماً مثلما يتحدث عجوز إلى صورة جدّه على الجدار ولا ترد الصورة عليه بأي كلمة.. أو كما ذكرت الأغنية البولندية للمغنية الرائعة إديتا غيبرت(الجد يخاطب صورة على جدار ولكن الصورة أهملته).
mashareqa@hotmail.com
ــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــ
ثلاثون قصّة | 1 | الحقيبة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تأليف: محمد رُضا
…………………………………………….
أعتقد أن الحقائب جامدة لا حياة فيها. مستسلمة الى من يحملها. قد تكون حقيبتك في يدك او حقيبة غيرك. وقد تكون حقيبتك في يد غيرك. الحقيبة لا تُمانع. ولا تكترث، وهي لا تمانع أيضاً إذا ما حملتها بيدك او على ظهرك او جررتها وراءك او وضعتها على رافعة. لكن هناك حالة واحدة تنتفض فيها الحقيبة بالحياة . إنه حين تأخذها الى محطة القطار. يصل القطار. تصعد إليه وتنساها على رصيف المحطّة٠
إذا نسيت الحقيبة ستنظر الى الأمر من ناحيتك. تصرخ … آه … فيها دفتر عناويني او فيها أموالي او الملابس التي لا أملك سواها٠ تلعن الشيطان لكن الحقيقة أن الشيطان لا يقف وراء كل حالة- وهذا ليس
دفاعاً عنه لعنه الله، لكن في مرّات كثيرة ا













