أنا غزة ـ فيلم أسماء بسيسو

كتبهاتيسير مشارقة ، في 1 يوليو 2009 الساعة: 09:23 ص

لا وجود لحماس في فيلم (أنا غزة )للمخرجة الفلسطينية أسماء بسيسو
 
بقلم تيسير مشارقة
 
 
 
 
 
المخرجة الفلسطينية[الغزّاوية] أسماء بسيسو في فيلمها (تروحي سالمة وترجعي غانمة) (إنتاج 2008) بعثت برسالة أنثروبولوجية وبروح فلسطينية إلى العالم، تقول فيها إن الفلسطيني جدير بالفهم وله الحق أن يفهم وأن يكون نداً أمام الآخرين.وعبرت الفتيات القادمات من فلسطين على بسكليتات ، دراجات عن رغبة في التواصل الإنساني الحضاروي مع الآخرين. في الفيلم الذي يتحدّث عن السفر وصنع الهوية شاهدنا لقطات أكّدت على الاتصال عبر الثقافات[ intercultural communication] كشرط أساسي لتشكل الهوية والخصوصية. وأن لا هوية من خلال العزلة والانعزال. وأن جدل الهوية وتشكّلاتها يكون بالتصالح مع الثقافات والحضارات والهويات الأخرى.

فيلم (أنا غزة ) (2009) لنفس المخرجة الذي عرض في دارة الفنون بعمان في العاشر من حزيران2009 أطلق رسالة أخرى في مضمونه الذي لم يتحدث عن الانقلاب الظلامي ولم يأت بذكر حماس كحركة مأجورة اقتطعت القطاع من جذوره وألقت به في بحر يحلم الايرانيون باغتصابة ، مثلما أصبح الخليج العربي باسم الخليج الفارسي أو الإيراني.

أطلق فيلم (أنا غزة ) رسالة إنسانية حضارية على لسان مختص بعلم النفس هو د. إياد السراج، تقول إن الفلسطينيين دعاة سلام لا حرب، وأن الفلسطيين لا يجوز أن يدفعوا ثمناً لجرائم النازية .

تجريد قطاع غزة من حماس في فيلم (أنا غزة) لم يأت من فراغ. فغزة المدمرة لم تعد تلوّح فيها أعلام خضراء كالسابق .ويمكن للمراقب أن يلحظ اختفاء الخرق الخضراء منذ نهاية الحرب الصهيونية على قطاع غزة . وظهرت على الخيام والركام أعلام فلسطينية بالأخضر والأحمر والأبيض والأسود.

شوارع غزة لم تملأها يافطات حماس ولا أعلامها الخضراء ، بل على العكس تماماً جاءت الحيطان بصورة ضخمة للرئيس الراحل ياسر عرفات .

يصعب على حركة حماس أن تضع أعلامها على كل بيت مهدّم في غزة حتى لا تكون رموز الحركة مقرونة بالخراب. وصار التساهل مع ظهور العلم الوطني الفلسطيني كتعبير عن النكبة والخراب والدمار.

أن تتماثل المخرجة الغزاوية أسماء بسيسو مع غزة وتقول في فيلمها (أنا غزة= i’m gaza)..ليس غريباً ، فحملة أنا غزة شملت الكون بأسره، وشباب العالم تضامنوا مع الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة من قبل الاحتلال الإسرائيلي الصهيوني العدواني والمخطوف من الانقلاب الظلامي والانعزالي الدموي.

الإصابة بـ( سيندروم غزة =حالة غزة) مثير للإنتباه عند الكثير من المثقفين الفلسطينيين والعرب ومن جميع أنحاء العالم، لهذا السبب فإن التعاطي مع /حالة غزة/ فيه مخاطر كثيرة..وربما فيه انجراف سحري، كانجراف دويلة قطر وراء ( قزة ) حتى ولو على حساب وحدة الأمة العربية والعالم العربي.

لمن يشاهد فيلم (أنا غزة) يجد فيه فيلما ًجميلاً ورائعاً سيبقى خالداً في الذاكرة البصرية الفلسطينية. وبرغم الخطابية التفاؤلية في نهاية الفيلم وثناياه، التي جعلتنا نحس بجماليات الخراب، وكأن شيئاً لم يحدث وكأن الانقلاب غير جاثم على صدور الناس وكأن العدوان الصهيوني البربري سحابة صيف مارقة.
الفلسطيني يدوس على جراحه ويسير رافعاً رأسه لكن أن يختفي قادته في الانفاق ولا يظهرون في الشوارع فهذا لم يحدث إلا في فيلم (أنا غزة).

امتد الفيلم في أكثر من مسار وخيط وثائقي لتجسيد الحالة المعنوية في قطاع غزة بعد انتهاء حرب إسرائيل عليه(2008-2009)، فلم يكن الدكتور النفساني إياد السرّاج اللاظم الوحيد لعملية التوثيق . وكان حري بالمخرجة أن تحدد ثلاث مسارات لا أكثر ومجموعة محاور (سيجمينتس) تنطلق منها لنقل الصورة من قطاع غزة بعد الدمار الهائل الذي لحق به.

الملفت للنظر الدفق الإنساني الهائل الذي حملته عدسة كاميرا المخرجة أسماء بسيسو. حاولت رصد المشاعر للناس: النساء والفتية الرائعين من الشعب الفلسطيني في القطاع المقطوع عن العالم. كانت عدسة الكاميرا متدفقة بالأمل والحياة بعيداً عن الحماس لحماس أو لغيرها.. وبعيدة عن (القوة التنفيذية) التي تقود الموت والمسؤولة عن الدمار كونها لم تقد المعركة بشكل يحمي الشعب من الموت.

الرسالة السينمائية التي يمكن قراءتها من خلال بصريات فيلم (أنا غزة )التي لم تضع حماس ولا قياداتها في الصورة هي أن جماس ليست مسؤولة وليست في الصورة عن الذي حدث لغزة. جمال عبد الناصر لمّا خسر حرب حزيران 67 ظهر للعلن وأعلن التنحي . بينما فيلم (أنا غزة) فقد أخرج حماس من الكادر (الإطار) . وبالتالي فإن لا خسارة للحرب وكان الانتصار للغائب في الانفاق.

كانت المخرجة غزّاوية فلسطينية أصيلة ونقلت الصورة كما هي دون رتوش. قالت بصرياً إنها مع الحياة هناك للبشر والشجر والماشية والحجر.. بعيداً عن الأيديولوجيا والسياسة وقادة الانقلاب في القطاع.لهذا جاء الفيلم مجرداً من الايديولوجيا وحماس وظهر فيه الناس.. الناس المكلومين والمظلومين والمقهورين والفقراء الذين يبحثون عن الأمل في الحياة.

لغة الكاميرا : من كوادر (فريمات) ولقطات ومشاهد وزوايا تصوير وحركة كاميرا تثبت مرّة أخرى وأخرى أن المخرجة الشابة ترسم خطاً فنياً راقياً لها كفنانة مبدعة في الحقل البصري الفيديوي..ولاحقاً السينمائي. أما آليات السرد فقد كانت مبعثرة كالحالة النفسية التي انتابت المخرجة من هول المأساة التي حلّت بها ، أي بغزة ، المعشوقة التي فقدت ملامحها إثر العدوان الصهيوني عليها مطلع العام الحالي.ولهذا الأمر انحازت المخرجة درامياً للمعالجة النفسية للحالة في غزة ، فلجأت إلى الطبيب النفسي ليوضّح ويقول رأيه في الأحداث. ولم تلجأ لقيادي في جماس مخضرم ليلقي علينا خطبة نارية من خطبه قبل الحرب. . فالأمر ما عاد مجدياً.

هناك ملاحظة لا بد من ذكرها، أن التطابق ما بين النص والصورة يجعل المخرجة أمينة كل الأمانة للنص بصرياً وهذا لا يخدم المخرجة فنياً ويقترب أكثر من الفنيات التلفزيونية الريبورتاجية منه إلى الفنيات السينمائية ، حيث الصورة تتكلم عن نفسها دون كلمات.

وبحق فإن المخرجة المبدعة أسماء بسيسو بهذا الفيلم الرائع المليء بالحياة والأمل تضع قدميها على درب الإخراج بكل ثقة ، وتكاد تقول بتجربتها الفنية الأخيرة (أنا غزة )، وربما هي التجربة الخامسة لها ، إنها من المخرجات المبدعات،في السينما الفلسطينية الوثائقية ، أسوة بزميلاتها الناشطات بصرياً: ليانة بدر، عزة الحسن، نجوى النجار، آن ماري جاسر، ديمة أبو غوش، وأخريات صنعن سينما وثائقية راقية تقترب في فنياتها من عالم الدراما أو الروائية. وهذا ما لوحظ في بعض اللقطات الفنية الدرامية التي شملها الفيلم (أنا غزة)[التوظيف الدرامي الروائي في الوثائقي].

بقي أن نشير أيضاً، أن القيم التسامحية والتداخل مابين الثقافوي (عبر الثقافات الإنساني)الذي حمله فيلم ( تروحي سالمة وترجعي غانمة) لأسماء بسيسو ،الذي يتحدث عن السفر ( وعي الهويّة)بقيت هذه القيم ، ولكن ، بقالب بشري إنسانوي فلسطيني عام، من لون واحد في فيلم /أنا غزة /، حيث جمعت المخرجة الذات الفلسطينية في واحد ، وأصبح الفلسطينيون واحد/ون / وموحدون إنسانياً في غزة ،جمعت المخرجة المبدعة الفلسطينيين في ذات جمعية/ جامعة/ كبرى يملؤها الأمل وحب الحياة ،بعيداً عن التحازب الأيديولوجي والانقسام الطائفي البغيض المجرّب في لبنان والصومال وأفغانستان ودارفور.

ملاحظات إضافية:
أفلام المخرجة الفلسطينية أسماء بسيسو:
"سبع صنايع والوطن ضايع"(2006)،
"إلى فلسطين خذوني معكم"(2007)،
" تروحي سالمة وترجعي وغانمة"(2008)،
"رسالة من الزنزانة" أو /رسالة من غوانتانامو/(2008)،
" أنا غزة " (انتاج 2009)

mashareqa@hotmail.com

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر