السينما والطبيعة

كتبهاتيسير مشارقة ، في 6 مايو 2009 الساعة: 08:48 ص

 

السينما و"العودة إلى أحضان الطبيعة"
كيف أصبحت حطاباً
بقلم  تيسير مشارقة
 
 
 
التحطيب مسألة اختيارية تقتضيها الحاجة ومتطلبات النظام والترتيب. فالحاجة للنار يجعلنا نسعى وراء الحطب،وحاجتنا لصور دقيقة [لقطات]حول مسألة محددة يجعلنا نتصفح العديد من الأشرطة للوصول إلى المراد، والعملية الأخيرة تسمى (تحطيب أو تعشيب) وبالانجليزية (Logging). أما أنا فقد أصبحت حطاباً من طراز رفيع بسبب قلة الشغل، فـ (قلة الشغل تعلّم التحطيب)، على منوال المثل القائل قلة الشغل تعلّم التطريز.
 
المسألة فيها ملامح طرزانية (= من البطل طرزان) وعودة إلى أحضان الطبيعة على حد تعبير (جان جاك روسو). فنحن في "زمن انعدام الخوارق" نبحث عن الطرزانية والعودة إلى الأدغال. ألم يكتب (أمبرتو إيكو) عن ذلك في كتابه (من السوبرمان إلى الإنسان الإعلى) ويترصد فيه أفعال الخوارق.. ومنهم طرزان الذي كتبت عنه 22 رواية ترجمت إلى 56 لغة عالمية وسجلت 20 مليون نسخة و35 شريطاً سينمائياً و1500 شريط كرتون (صور متحركة) وتحوّل إلى أسطورة الأساطير حسب (مجلة جون أفريك ) أواخر القرن العشرين.
 
أنا أحب طرزان وتربيت قصصياً على الرسوم المصوّرة، التي نشرت في مجلات سوبرمان أوطرزان في أواخر ستينيات ومطلع سبعينيات القرن العشرين. أذكر أن حرب الكرامة 1968اندلعت وأنا أقرأ طرزان واندلعت الحرب الأهلية في الأردن(أيلول)1970 وأنا أقرأ سوبرمان. قلت في نفسي: نفعنا طرزان ولم ينفعنا السوبرمان.
 
اسبوعياً، ومنذ سنتين تقريباً ، أقوم بهذا الواجب الريفي ، التحطيب، أي جمع الخشب لصنع النار في موقد في الشونة الجنوبية (الأغوار الأردنية الوسطى) وألجأ لهذا المكان الشاعري والريفي إلى أحضان الطبيعة ، كنوع من "العودة للطبيعة" حسب ما يريد معلمي المفكر روسو.
 
وفي موسم الهجرة إلى الشمال رواية الراحل الطيّب صالح (رحل مؤخراً = شباط 2009) كان الكل يرغب بالتوجّه إلى هناك (الشمال) بينما أنا فقد قضيت ما يقرب الـ 15 سنة في أحضان أوروبا ، ولم أجد جدوى في البقاء هناك حيث مابعد الحداثة الصارخة.
 
وفي السينما كل الأفلام (وبالتحديد المصرية منها) تتحدّث  عن الهجرة من الريف إلى المدينة ، بينما فيلم ("خرج ولم يعد ") من بطولة يحيى الفخراني تحدث عن الهجرة العكسية،عندما  يقوم رجل المدينة باللجوء إلى القرية والريف والاستقرار هناك. وجد ذلك الحضري نفسه في الريف أكثر من المدينة .
 
هناك، أجمع الحطب في الطريق إلى بلدة (الشونة الجديدة)، وأوقد النار وأشوي البطاطا. شيء ممتع ومثير . منذ منتصف الأسبوع وأنا أجهز نفسي لهذه الرحلة الغريبة. وأبدأ بجمع الحطب والأعشاب الممكنة لإيقاد نار ريفية وأكثر هناك.
 
المسألة ليست جيمس بوندية[ من جيمس بوند] ، وإنما هي هواية طقسية ريفية وحسب. باختصار، يقتصر التحطيب على لملمة خشب وحطب وأغصان أشجار مهملة. إنها ليست مهمة البحث عن الإنسان الإعلى النيتشوي أو الفاشي بقدر ما هي عملية البحث عن البسيط فينا ، وتذوّق منتجات الأرض مباشرة والعودة للبدائيات الأولى والتذوّق بدل الأكل من أعشاب برية كالخبيزة أو الحويرنة مع لبن الأبقار و الماشية.
 
من هناك وبإطلالة على مشارف القدس المغتصبة ومدينة أريحا ، تمتد أنظارنا كل أسبوع في صلاة إجبارية إلى الوطن السليب. فيظل الدفء قريباً بقرب الوطن.
 
هناك تكتمل ثلاثية الماء والنار والوطن. وبالقرب من حنفية الماء قمت مؤخراً بزراعة غصن دالية، أورق بعد أن جلبت قناة صغيرة له الماء. والغصن من جبال الخليل.
 
 وفي مرطبان على طاولة المطبخ الأميركي المفتوح  في المنزل الريفي توجد حفنة تراب وحجراً كبيراً من ساحة المسجد الأقصى في القدس [أحضره صديق لي من هناك]. المطربان الزجاجي وحفنة التراب المقدسية والحجر يذكرني بصديقي الذي كان يخلل أوراق الصبّار في مرطبانات بالماء والملح ، ويصبّر أكواز حبات الصبر في الماء والسكر بعد عملية غلي طويلة وتعقيم في مرطبانات مربّى. جدل الماء والملح والماء والسكر.
ما أجملها من معادلات سهلة وصعبة في آن.
mashareqa@hotmail.com
 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف, مقالات بالعربية | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر